
ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : السبت الموافق 14 ديسمبر 2024
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ثم أما بعد إعلموا أيها الناس أن العقل إما أن يكون غريزيا، وإما أن يكون اكتسابيا، فالأول كعقل الطفل الذي سبق ذكره، والثاني ما يكتسبه الصبي على مرور الأيام إلى أن يبلغ أربعين سنة، ثم بعد ذلك يأخذ في النقصان إلى أن يخرف، بخلاف العلم فإنه يكون كل يوم في زيادة، ومنتهى تعلم العلم هو منتهى العمر.
وهذا يدل على أن العقل أضعف من العلم، فلأجل ذلك يا عباد الله، أجمعت الرسل قاطبة على حفظ الضرورات الخمس، والتي هي الدين والعقل والعرض والمال، والنفس، فالعقل إذن ضرورة كبرى من هذه الضرورات، مرهونة بإيجاد ومنع، فالإيجاد إنما يكون من خلال إستعماله في طاعة الله سبحانه، وإعتقاد دين الإسلام به، والمنع إنما يكون من خلال سرد كل ذريعة مفضية إلى إفساد هذا العقل، أو تعطيله عن الإتصال بنور الهداية، فلأجل ذا حرم كل ما من شأنه أن يكون سببا في زواله، كشرب المسكرات والمخدرات ونحوها، بل لقد جعل الشارع الحكيم الدية كاملة في زوال العقل بسبب الإعتداء عليه، ولو لم يكن من ذلك إلا كون العقل شرطا في معرفة العلوم، وفي الأعمال وصلاحها.
وبه يكمل دين الإنسان لكفى، غير أنه لا يستقل بذلك وحده، إذ هو غريزة في النفس وقوة فيها كقوة البصر إيجابا وسلبا وما ذاك إلا بقدر إقتباسه من نور الإيمان، ولكنه إذا إنفرد عن النور أو أبعد عنه بالكلية كانت أقواله وأفعاله أمورا حيوانية، ثم إن العقل البشري الذي يستطيع أن يؤدي وظيفته على أكمل وجه، هو ذلكم العقل الذي تجرد عن الهوى، وخلص من رقة التقليد الأعمى، فلم يتأثر بالآراء والأفكار المنحرفة، التي تدفعه للوقوع في الضيق والضلال، كما أنه لم يعطل قواه بإتباع أعمى فينجر به إلى إنحراف ذريع وزيغ مرد، هذا هو العقل الذي يمكن أن يحمل رسالة الإسلام حملا صحيحا، وأما الذين كبلوا عقولهم وعطلوها عن موارد النهل الصافي فهم الذين قال الله تعالي عنهم في سورة الأنفال
” إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ” ولأجل ذلك كان جواب أمثال هؤلاء يوم القيامة كما قال الله تعالي في سورة الملك ” وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ” فيقول أبو القاسم الأصفهاني رحمه الله تعالي، العقل نوعان، عقل أعين بالتوفيق، وعقل كيد بالخذلان، فالذي أعين بالتوفيق يدعو صاحبه إلى موافقة الأمر المفترض بالطاعة، والإنقياد لحكمه والتسليم به، والعقل الذي كيد يطلب بتعمقه الوصول إلى علم ما إستأثر الله بعلمه، وحجب أسرار الخلق عن فهمه حكمة منه بالغة، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح أحوالنا وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها.





